ابن الجوزي

249

صفة الصفوة

وعن القاسم بن عبد اللّه البزار قال : سمعت سريّ بن المغلس يقول : لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق اللّه تعالى من الأشجار ، عليها من جميع ما خلق اللّه تعالى من الأطيار ، فخاطبه كل طائر منها بلغته وقال : السلام عليك يا وليّ اللّه فسكنت نفسه إلى ذلك ، كانت في يدها أسيرا . وعن إبراهيم بن السري السقطي قال : سمعت أبي يقول : عجبت لمن غدا وراح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه لا يربح أبدا . وسمعت أبي يقول : لو أشفقت هذه النفوس على أديانها شفقتها على أولادها لاقت السرور في معادها . وعن الجنيد بن محمد قال : سمعت سريا يقول : لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ولم أخرج . وعن ابن مسروق قال : سمعت سريا يقول لإخوانه : الدهر ثلاثة أيام ، يوم مضى بؤسه وشدته وغمّه لم يبق منه شيء ، واليوم الذي أنت فيه صديق مودع لك طويل الغيبة عنك ، سريع الرحلة عنك ، وغدا في يديك تأميله ، ولعلك من غير أهله . وقال : أمس أجل واليوم عمل ، وغدا أمل . وقال الجنيد : كنت نائما عند سريّ رحمه اللّه فأنبهني فقال لي : يا جنيد رأيت كأنّي قد وقفت بين يدي اللّه تعالى ، فقال لي : يا سريّ خلقت الخلق فكلهم ادعى محبتي ، وخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم وبقي معي العشر ، وخلقت الجنة فهرب مني تسعة أعشار العشر وبقي معي عشر العشر ، فسلطت عليهم ذرّة من البلاء فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر ، فقلت للباقين معي ، لا الدنيا أردتم ولا الجنة أخذتم ، ولا من النار هربتم ، فما ذا تريدون ؟ قالوا : إنك تعلم ما نريد . فقلت لهم : فإنّي مسلّط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم . ما لا تقوم له الجبال الرواسي ، أتصبرون ؟ قالوا : إذا كنت أنت المبتلي لنا فافعل ما شئت . فهؤلاء عبادي حقا . وعنه قال : كنت يوما عند السريّ بن مغلس وكنا خاليين وهو متّزر بمئزر فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضني كأجهد ما يكون . فقال : انظر إلى جسدي هذا لو شئت أن أقول إن ما بي من المحبة للّه تعالى لكان كما أقول . وكان وجهه